خطى الإنسان لأول مرة على سطح القمر في يوليو 1969، وبحلول ديسمبر 1972، كان رواد الفضاء الأمريكيون قد نفذوا ست عمليات هبوط مأهولة ناجحة. أصبح برنامج «أبولو» أحد أكبر الإنجازات التكنولوجية في القرن العشرين، وأثبت أن البشر قادرون ليس فقط على الوصول إلى جرم سماوي آخر، بل وأيضًا على العمل على سطحه والعودة إلى الأرض. ومع ذلك، بعد انتهاء هذا البرنامج، توقفت البعثات القمرية المأهولة لعقد من الزمن.
والآن تستعد وكالة ناسا لتغيير هذا الوضع. فقد أكدت الوكالة عزمها على إعادة رواد الفضاء الأمريكيين إلى القمر في عام 2028، لكن البرنامج الحالي يتطلب بنية تحتية أكثر تعقيدًا بكثير من تلك التي استُخدمت خلال بعثات «أبولو». ولا يتعلق الأمر فقط بتكرار الإنجاز التاريخي، بل أيضًا بتهيئة الظروف اللازمة للبعثات المنتظمة ووجود الإنسان لفترة أطول على سطح القمر.
لماذا تخلت البشرية، بعد نجاح عام 1969، عن الرحلات المأهولة إلى سطح القمر؟ وأين ذهبت تقنيات «أبولو»؟ وما الذي يمنع وكالة ناسا من إعادة رواد الفضاء إلى هناك الآن؟
تستعرض UA.News كيف تغيرت أهداف البرامج الفضائية، ولماذا تظل البعثات القمرية باهظة التكلفة للغاية، وما الذي يجب أن يحدث قبل الهبوط التالي.
كيف هبط الإنسان على سطح القمر لأول مرة

في 20 يوليو 1969، حققت البعثة الأمريكية «أبولو-11» هدفها الرئيسي. نزل رائدا الفضاء نيل أرمسترونغ وباز أولدرين إلى سطح القمر في المركبة الهبوطية «إيجل»، بينما بقي العضو الثالث في الطاقم مايكل كولينز في مدار القمر داخل المركبة القيادية.
كان هذا الحدث ثمرة عمل استمر لسنوات طويلة من قبل وكالة ناسا، واستثمارات حكومية ضخمة، والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وكان السباق الفضائي جزءًا من صراع جيوسياسي أوسع نطاقًا في حقبة الحرب الباردة. بعد إطلاق القمر الصناعي السوفيتي في عام 1957 ورحلة يوري غاغارين في عام 1961، سعت القيادة الأمريكية إلى إثبات التفوق التكنولوجي للبلاد.
في مايو 1961، حدد الرئيس الأمريكي جون كينيدي هدفًا للبلاد يتمثل في هبوط الإنسان على القمر وإعادته سالمًا إلى الأرض قبل نهاية العقد. وقد تم تخصيص موارد هائلة لتنفيذ هذه المهمة: حيث تم تطوير الصواريخ، والسفن الفضائية، وأنظمة الملاحة، ووسائل الاتصال، والمعدات اللازمة للعمل في ظروف لم يسبق للإنسان أن استكشفها بشكل مباشر.
ولتنفيذ هذه المهام، كان من الضروري إنشاء نظام كامل من التقنيات المترابطة. كانت الصاروخ الحامل «ساتورن 5» تنقل المركبة إلى مسار الطيران نحو القمر، وكان المركب القيادي والخدمي يوفر الإقامة للطاقم في الفضاء، بينما كان المركب الهبوطي المنفصل يسمح لاثنين من رواد الفضاء بالنزول إلى السطح والعودة لاحقًا إلى المدار.
بعد نجاح «أبولو 11»، نفذت الولايات المتحدة خمس عمليات هبوط مأهولة أخرى. وبلغ إجمالي عدد رواد الفضاء الذين زاروا القمر 12 رائدًا. وقد وسعت كل بعثة لاحقة آفاق البحث: فقد أمضى أفراد الطاقم وقتًا أطول على السطح، وجمعوا عينات من التربة، وأقاموا أجهزة علمية، واستخدموا المركبة القمرية للتنقل بين مواقع البحث.
وكانت آخر رحلة هي بعثة «أبولو-17»، التي عاد طاقمها إلى الأرض في ديسمبر 1972. ومنذ ذلك الحين، لم تطأ قدم أي إنسان سطح القمر.
لماذا أوقفت الولايات المتحدة الرحلات بعد برنامج «أبولو»
لم يكن وقف البعثات القمرية نتيجة لفشل تقني. فقد أثبتت الولايات المتحدة بالفعل قدرتها على تنفيذ مثل هذه الرحلات، وكانت البعثات التالية مخططًا لها. وكانت الأسباب الرئيسية لإنهاء البرنامج هي تغير الأولويات السياسية، وتخفيض التمويل، وارتفاع تكلفة البعثات اللاحقة.
في البداية، كانت وكالة ناسا تدرس خطة لاستكشاف القمر على نطاق أوسع بكثير. بعد عمليات الهبوط الناجحة الأولى، كانت الوكالة تأمل في مواصلة البعثات، وتحسين المعدات، والحصول على المزيد من البيانات العلمية. ومع ذلك، أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على هذا البرنامج عند المستوى السابق.
وكما يوضح المتحف الوطني للطيران والفضاء في الولايات المتحدة، بدأت وكالة ناسا في عام 1970 بإلغاء البعثات القمرية المخطط لها. في البداية، تم التخلي عن بعثة «أبولو-20»، ثم تم تقليص البعثات الأخرى لاحقًا. ونتيجة لذلك، أصبحت بعثة «أبولو-17» هي الأخيرة، على الرغم من أن الخطط الأولية كانت تنص على استمرار الرحلات.
لعبت العوامل الاقتصادية دورًا مهمًا. فقد تطلب البرنامج نفقات حكومية ضخمة لتطوير الصواريخ، وإنتاج المركبات الفضائية، وتشغيل مراكز التحكم، وتدريب رواد الفضاء. وبعد تحقيق الهدف السياسي الرئيسي — وهو التفوق على الاتحاد السوفيتي في هبوط الإنسان على القمر — أصبح من الصعب تبرير استمرار نفس مستوى التمويل أمام الكونغرس والرأي العام.

كما تغيرت مهام برنامج الفضاء الأمريكي. بدأت وكالة ناسا (NASA) في الاستعداد لإنشاء نظام النقل القابل لإعادة الاستخدام «مكوك الفضاء» (Space Shuttle)، ثم ركزت لاحقًا جزءًا كبيرًا من مواردها على الرحلات إلى المدار الأرضي المنخفض، وتشغيل المحطات المدارية، والأبحاث العلمية.
بالإضافة إلى ذلك، ظل كل هبوط محفوفًا بالمخاطر. وعلى الرغم من نجاحات برنامج «أبولو»، كانت الرحلات الفضائية مصحوبة بمخاطر جسيمة. أظهرت كارثة «أبولو-1» في عام 1967، التي لقي فيها ثلاثة رواد فضاء حتفهم على الأرض أثناء اختبار المركبة، ثمن الأخطاء في مثل هذه البرامج. تطلبت البعثات اللاحقة ليس فقط المال، بل أيضًا الاستعداد لتحمل المخاطر من أجل تحقيق نتيجة لم تعد تحمل نفس الأهمية السياسية التي كانت للهبوط الأول.
وبالتالي، لم تفقد الولايات المتحدة قدرتها على الطيران إلى القمر بسبب مشكلة تقنية محددة واحدة. بل قررت البلاد أن البعثات اللاحقة، في ظل التكاليف والظروف السياسية السائدة آنذاك، تأتي في مرتبة أدنى مقارنة بمجالات أخرى من الأنشطة الفضائية.
هل فقدت البشرية حقًّا تقنيات الطيران إلى القمر؟
غالبًا ما يُستخدم القول بأن البشرية «نسيت كيف تطير إلى القمر» لوصف الفاصل الزمني الطويل بين بعثات «أبولو» وخطط ناسا الحالية. إلا أن هذا القول ليس دقيقًا تمامًا. فالمبادئ الفيزيائية للطيران، والنماذج الرياضية، والمعارف الأساسية حول الملاحة في الفضاء لم تختفِ. تكمن المشكلة في أن القدرة على تكرار هذه البعثة لا تعتمد على المعرفة العلمية وحدها.

في ستينيات القرن الماضي، أنشأت الولايات المتحدة نظامًا صناعيًا واسع النطاق موجهًا نحو هدف محدد. وكان هذا النظام يشمل مصنعي محركات الصواريخ، وموردي المواد، وشركات تصنيع الإلكترونيات، وفرق المهندسين، ومواقع الاختبار، ومراكز تدريب أطقم الطيران. بعد انتهاء برنامج «أبولو»، توقفت العديد من هذه العمليات الإنتاجية أو أُعيد توجيهها نحو مهام أخرى.
لم يعد صاروخ «ساتورن 5» يُصنع. ولم تُحفظ خطوط الإنتاج والمعدات وسلاسل التوريد التي كانت تدعم البرنامج كنظام جاهز لإعادة الاستخدام. وقد تقاعد جزء من المهندسين الذين عملوا مباشرة على برنامج «أبولو»، واضطر الجيل الجديد من المتخصصين إلى استعادة الخبرة العملية بالاعتماد على الوثائق والاختبارات والأساليب الهندسية الحديثة.
وحتى لو كانت مخططات الصاروخ القديم متاحة، فهذا لا يعني أنه يمكن إعادة تجميعه ببساطة. فالأمر يتطلب مواد ذات خصائص محددة، وقدرات إنتاجية، وموردين مؤهلين، وفحص المكونات، والتأكد من أن النظام بأكمله يفي بمتطلبات السلامة. علاوة على ذلك، فقد تغيرت الإلكترونيات والبرمجيات ومعايير الاعتماد والتقنيات المتاحة تغيرًا جوهريًا.
لا تسعى وكالة ناسا الحالية إلى إعادة إنتاج «أبولو» حرفياً. بل تعمل الوكالة على إنشاء بنية جديدة للرحلات الفضائية باستخدام مركبة «أوريون»، وصاروخ «نظام الإطلاق الفضائي»، وأنظمة الهبوط التجارية. وهذا يتيح استخدام تقنيات جديدة، ولكنه يتطلب في الوقت نفسه تطوير واختبار ومواءمة عدد كبير من المكونات.
وبالتالي، لم تفقد البشرية معرفتها بالرحلات إلى القمر. بل فقدت النظام الصناعي السابق الذي كان يدعم مثل هذه البعثات، وهي الآن بصدد تشكيل نظام جديد — مع حلول تقنية مختلفة، ومصنعين آخرين، ومتطلبات أمان مختلفة.
لماذا تبين أن الهبوط الحديث بهذه الصعوبة
للوهلة الأولى، يبدو أن القيام برحلة إلى القمر اليوم يجب أن يكون أسهل مما كان عليه في عام 1969. فقد أصبحت أجهزة الكمبيوتر أكثر قوة، وأصبحت الملاحة أكثر دقة، كما أن المهندسين يتمتعون بعقود من الخبرة الإضافية في مجال الرحلات الفضائية. ومع ذلك، فإن البعثة القمرية الحالية ليست مجرد تكرار لمسار «أبولو» بمعدات أحدث.
أولاً، لا تسعى ناسا فقط إلى إيصال الطاقم إلى السطح، بل إلى إرساء الأساس لبعثات منتظمة. وهذا يتطلب لوجستيات أكثر تعقيداً، وأنظمة هبوط جديدة، وبزات فضائية حديثة، ومعدات علمية، والقدرة على العمل لفترات أطول في بيئة القمر.
ثانياً، تقوم شركات خاصة بتطوير جزء من الأنظمة الرئيسية. تتعاون ناسا مع شركتي «سبيس إكس» و«بلو أوريجين»، اللتين تعملان على تصنيع مركبات هبوط لنقل رواد الفضاء بين المدار القمري والسطح. ويجب أن تخضع هذه الأنظمة للاختبارات، ولا سيما الرحلات التجريبية غير المأهولة، قبل أن تسمح الوكالة باستخدامها في عمليات الهبوط المأهولة.

ثالثًا، تعتمد كل مرحلة من مراحل المهمة على اكتمال المرحلة التي تسبقها. يجب أن تنقل المركبة الطاقم بأمان إلى القمر، وأن يقوم مركبة الهبوط باستقبال رواد الفضاء، وتنفيذ الهبوط، وضمان الإقلاع من السطح، كما يجب أن تعمل أنظمة دعم الحياة طوال الرحلة. قد يؤثر أي خطأ أو تأخير في أحد العناصر الرئيسية على المهمة بأكملها.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك تطوير بدلات الفضاء. فهي يجب أن تحمي رواد الفضاء من الفراغ، والتقلبات في درجات الحرارة، وغبار القمر، والبيئة المشعة، ولكن في الوقت نفسه يجب أن تسمح لهم بالتحرك، وجمع العينات، والعمل مع المعدات. إنها نظام كامل لدعم الحياة، وليست مجرد ملابس واقية.
وقد أشارت تقارير مجلس المحاسبة الأمريكي حول برنامج «أرتميس» إلى أن من بين المشاكل الرئيسية التأخيرات في تطوير وحدة الهبوط وبزات الفضاء، فضلاً عن الحجم الكبير من الأعمال التي يتعين إنجازها قبل الهبوط المأهول. توضح هذه الصعوبات لماذا لا يكفي وجود صاروخ قوي ومركبة فضائية لتنفيذ البعثة بأكملها.
ومن السمات الأخرى للبرنامج الحالي — السعي لاستكشاف منطقة القطب الجنوبي للقمر. تحظى هذه المنطقة باهتمام علمي كبير، لا سيما بسبب احتمال وجود جليد مائي في الحفر التي تظل مظللة دائمًا. وفي الوقت نفسه، تفرض التضاريس والإضاءة وظروف الملاحة المعقدة متطلبات إضافية على اختيار موقع الهبوط وعمل المعدات.
كل هذا يجعل عملية الهبوط الحالية مهمة لا تقل تعقيدًا عن تلك التي كانت في عهد «أبولو»، على الرغم من أن أسباب التعقيد اليوم مختلفة جزئيًا. فليس على وكالة ناسا مجرد تكرار الرحلة التاريخية، بل عليها ضمان سلامة الطاقم ووضع الأساس التكنولوجي للبعثات اللاحقة.
ما الذي غيره برنامج «أرتميس» ولماذا تم تأجيل الهبوط إلى عام 2028
يُطلق على برنامج ناسا الحالي لإعادة البشر إلى القمر اسم «أرتميس». ويهدف البرنامج إلى استئناف البعثات القمرية المأهولة، وتوسيع نطاق الأبحاث العلمية، وتهيئة الظروف تدريجيًا لوجود بشري أطول أمدًا على سطح القمر.
يتضمن البرنامج استخدام صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» (Space Launch System)، ومركبة الفضاء «أوريون» (Orion)، وأنظمة الهبوط التي تعمل شركات خاصة على تطويرها. وعلى عكس برنامج «أبولو»، تسعى ناسا إلى بناء نموذج يمكن بموجبه تطوير العناصر المختلفة للمهمة بشكل متوازٍ، على أن تُستخدم وحدات الهبوط والأنظمة الأخرى لاحقًا في البعثات التالية.
ومع ذلك، فقد تغيرت الخطط الأولية لبرنامج «أرتميس» مرارًا وتكرارًا. فقد استغرق تطوير مركبات الهبوط وبزات الفضاء والمكونات الأخرى وقتًا أطول مما كان متوقعًا. ونتيجة لذلك، أعادت وكالة ناسا النظر في تسلسل البعثات وقررت إجراء فحص إضافي للأنظمة الرئيسية قبل عودة رواد الفضاء إلى سطح القمر.
في 23 أكتوبر 2026، نشرت الوكالة خطة محدثة لتسريع البعثات القمرية. وبموجب هذا الخطة، من المقرر أن تنطلق بعثة «أرتميس 3» في عام 2027، وستتضمن اختبار الأنظمة والإجراءات المهمة المتعلقة بالاقتراب والالتحام بين مركبات الهبوط وسفينة «أوريون» في المدار الأرضي المنخفض. وسيتيح ذلك التحقق من توافق الأنظمة قبل أن يتوجه الطاقم إلى سطح القمر.

وتخطط ناسا لإجراء أول هبوط مأهول ضمن التسلسل المحدث خلال مهمة «أرتميس 4» في أوائل عام 2028. وفي الوقت نفسه، ستظل الجاهزية المحددة لمركبة الهبوط عاملاً حاسماً في تحديد الجدول الزمني النهائي.
ووفقًا لما أعلنته ناسا بشأن تسريع تطوير أنظمة الهبوط، تعمل الوكالة مع شركتين في آن واحد — سبيس إكس وبلو أوريجين. وعلى كلتا الشركتين إعداد مركباتهما للاختبارات وإثبات قدرتهما على تنفيذ العمليات المطلوبة. وستحدد ناسا النظام الذي سيكون جاهزًا لنقل رواد الفضاء بأمان إلى السطح وإعادتهم إلى مركبة «أوريون».
ووفقًا لخطة الوكالة، سيقلع الطاقم من الأرض على متن مركبة «أوريون»، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مركبة الهبوط. سينزل اثنان من رواد الفضاء إلى سطح القمر، بينما سيبقى أعضاء الطاقم الآخرون في المدار. وبعد الانتهاء من الأبحاث، سيعود رواد الفضاء إلى المدار، وينتقلون مرة أخرى إلى مركبة «أوريون» ليشرعوا في رحلة العودة إلى الأرض.
يتطلب هذا المخطط العمل المنسق لعدة أنظمة فضائية، بالإضافة إلى تأكيد موثوقيتها خلال الاختبارات. ولهذا السبب، لا يمكن تفسير تأجيل الهبوط بمجرد تأخير عملية إطلاق واحدة: فالأمر يتعلق بجاهزية البنية الكاملة للمهمة.
لماذا تريد ناسا العودة الآن تحديدًا
إن العودة إلى القمر لا تحمل بالنسبة للولايات المتحدة أهمية رمزية فحسب. فقد تغيرت الأهداف العلمية والإمكانيات التكنولوجية والسياق الجيوسياسي للأبحاث الفضائية على مدى أكثر من نصف قرن. والهدف الآن لا يقتصر على أن تكون الولايات المتحدة أول من يصل إلى سطح القمر فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان رحلات منتظمة ووجود بشري أطول أمدًا خارج كوكب الأرض.
يُعد استكشاف القطب الجنوبي للقمر أحد أهم المجالات العلمية. ففي الحفر التي تظل مظللة دائمًا، قد توجد احتياطيات من الجليد المائي، الذي يمكن استخدامه في المستقبل للحصول على الماء أو الأكسجين أو مكونات وقود الصواريخ. ومع ذلك، فإن الاستفادة العملية من هذه الموارد تتطلب أولاً تحديد مواقعها وكميتها وتركيبها وإمكانية الوصول إليها.
ولا يقل عن ذلك أهميةً اكتساب الخبرة في العمل لفترات طويلة في ظروف جرم سماوي آخر. يتعين على رواد الفضاء اختبار المعدات وإجراءات التنقل وأنظمة دعم الحياة والتقنيات التي قد تكون ضرورية للبعثات المستقبلية إلى المريخ. يقع القمر على مسافة أقرب بكثير من الأرض، ولذلك يمكن أن يصبح ميدانًا لاختبار الحلول التي سيتم استخدامها لاحقًا في الرحلات الفضائية البعيدة.

ويأتي هذا العودة أيضًا في ظل المنافسة بين القوى الفضائية. تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على دورها الريادي في استكشاف القمر، من خلال إشراك شركاء دوليين وشركات خاصة. في هذا النموذج، ليس من الضروري أن تقوم ناسا بتطوير كل تقنية بمفردها: حيث يتولى المقاولون التجاريون جزءًا من الأعمال، ويمكنهم تقديم حلولهم التقنية الخاصة.
وفي الوقت نفسه، سيتطلب إنشاء بنية تحتية دائمة استثمارات كبيرة وعملًا يمتد لسنوات عديدة. وحتى لو نجح الهبوط في عام 2028، فهذا لا يعني أن البشر سيتمكنون على الفور من العيش على القمر لفترات طويلة. ولتحقيق ذلك، من الضروري حل مسائل إمدادات الطاقة، والحماية من الإشعاع، وتوصيل البضائع، والاتصالات، وإصلاح المعدات، وتزويد أطقم العمل بالموارد.